مرآة اليقين /// للأديبة هيفاء البريجاوي
مرآة اليقين
يبرز القرآن الكريم بوصفه الذروة الجامعة لسيرة الإنسان منذ بدايته الأولى، وكأنه كتاب يقرأ تاريخ البشرية من لحظة الخلق إلى اكتمال الهداية، في نسقٍ واحدٍ متصل، لا انقطاع فيه ولا تشظّي.
فحين اكتمل نزول كتاب الله، لم يكن مجرد نصٍّ دينيٍّ مستقل عن الزمن، بل كان رواية الهداية الكبرى التي تضمّنت بدايات الإنسان مع سيدنا آدم عليه السلام، مرورًا بسلسلة النبوات والرسل، وكل محطةٍ من محطات الابتلاء والتوجيه، حتى خاتمة الرسالات مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وكأنّ مسيرة البشرية كلّها لم تكن إلا فصولًا متتابعة في كتابٍ واحد، يُعيد ترتيب الإنسان في داخله قبل أن يُعيد ترتيب العالم من حوله.
في هذا الكتاب، لا تُروى الأحداث بوصفها تاريخًا جامدًا، بل تُقدَّم كمسار حيٍّ للوعي الإنساني ،يبدأ من الضعف الأول للإنسان، من لحظة السقوط والتوبة، من الصراع بين الشهوة والضمير، ثم يرتقي شيئًا فشيئًا نحو النور، حتى يصل إلى اكتمال المعنى في مكارم الأخلاق التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
حيث تتحول الأخلاق من أوامر خارجية إلى حياة داخلية نابضة بالإيمان.
إن القرآن الكريم يجمع هذه السلسلة الإنسانية في نسيجٍ واحد، كأنه يقول للإنسان: إنك لست ابن لحظةٍ واحدة، بل ابن رحلةٍ طويلة من الهداية والرعاية الإلهية، وأن كل نبيٍ جاء ليكمل لبنة في بناء هذا الوعي حتى يكتمل البناء في صورته النهائية: إنسانٌ يعرف خالقه، ويعرف نفسه، ويعرف طريقه.
ومن هذا النور المتكامل، لا يبقى للظلام سلطانٌ مطلق، لأن الرسالة الإلهية لا تُقدَّم كفكرةٍ عابرة، بل كنورٍ ممتدٍّ في الزمن، لا تستهلكه القسوة ولا تطفئه الغفلة.
هو نورٌ يعيد الإنسان كلما ابتعد، ويذكّره كلما نسي، ويوقظه كلما خفت قلبه، ليعود إلى جوهره الأول: الفطرة.
وهكذا، تصبح مكارم الأخلاق التي ابتدأت مع الإنسان الأول، وتدرّجت عبر رسالات الأنبياء، هي نفسها التي تُختم بالوعي الإيماني العميق: خشيةٍ لا تُقنِط، ورجاءٍ لا يضعف، وثقةٍ لا تتزلزل بكرم الله ومعجزاته في كل تفصيل من تفاصيل الحياة.
فحتى الدعاء، وحتى الشكر، وحتى الرجاء الصامت في القلب، كلها تتحول إلى لغةٍ روحيةٍ متصلة بالخالق مباشرة.
إن هذا الفهم العميق يجعل الإنسان لا يعيش منفصلًا عن التاريخ الإيماني، بل جزءًا منه، مسؤولًا عن امتداده في واقعه وسلوكه، وكأن كل عملٍ هو استمرارٌ لتلك السلسلة النورانية التي بدأت مع أول إنسان، ولم تنتهِ، بل ما زالت تُكتب في كل لحظة.
وفي زمننا هذا، حيث تتكاثر المشتتات وتضعف البصائر، يصبح القرآن ليس مجرد تلاوة، بل صحوة ضمير، ونداء عودة، ورسالة تقول للإنسان: إنك خُلقت لتكون نورًا، لا ظلامًا، ورحمةً لا قسوة، وشاهدًا على أن الهداية ما زالت ممكنة مهما طال البعد.
فيا لِعظمة هذا الامتداد، ويا لِرحمة هذا النور الذي جمع التاريخ كله في هدايةٍ واحدة، وختمه برسولٍ كريمٍ جعله الله رحمةً للعالمين صلى الله عليه وسلم .
ليبقى الإنسان كلما ضلّ الطريق، أمام بابٍ مفتوحٍ لا يُغلق، اسمه: العودة إلى الله.
وفي امتداد هذا النور الإلهي الذي جمع مسيرة الإنسان في كتابٍ واحد، يفتح التأمل في الكون أبوابه ليصبح جزءًا من هذا الخطاب الرباني العميق ،فكما أن القرآن جمع تاريخ الهداية، فإن الكون نفسه يبدو كآيةٍ ممتدة تُعلّم الإنسان معنى التوازن والتحوّل واليقين.
حين ننظر إلى ميزان الكون، إلى تعاقب الليل والنهار، وإلى الفصول الأربعة في دورانها الدقيق، ندرك أننا أمام لغةٍ صامتة تُخاطب القلب قبل العقل.
فالليل ليس غيابًا للنور بقدر ما هو احتضان للسكينة وإعادة ترتيب للروح، والنهار ليس مجرد ضوءٍ ممتد، بل انكشافٌ للحياة وفرصة للسعي والبناء.
وهكذا يتناوبان في انتظامٍ مدهش، وكأن الكون يعلّم الإنسان أن لا حالة تدوم، وأن كل ظلمةٍ تحمل في داخلها وعد الفجر.
وعلى هذا النسق، تأتي الفصول كامتدادٍ أوسع لهذا المعنى ،فشتاء القسوة ليس نهاية الأرض، بل مرحلةُ إعدادٍ وصبر، تتجرد فيها الطبيعة لتتهيأ لحياةٍ جديدة.
ثم يأتي الربيع كنبضة ولادة، حيث تتفتح الأرض كما تتفتح القلوب بعد انغلاق، ويعلن الوجود أن ما كان يبدو موتًا لم يكن إلا تمهيدًا لحياة أبهى.
ثم الصيف بسعته وامتلائه، والخريف بتأملاته وتساقطاته، وكأن الكون يعلّم الإنسان دورة كاملة للوجود: أخذٌ وعطاء، امتلاءٌ وفراغ، قوةٌ وضعف، ثم عودةٌ إلى البداية من جديد.
وحين يُسقط الإنسان هذا الميزان الكوني على حياته، تتغير رؤيته للابتلاءات والفرج.
فالشدة ليست انقطاعًا في الرحمة .
بل “شتاءٌ روحي” يحمل في داخله بذور التحوّل.
والضيق ليس نهاية الطريق، بل مرحلة انكماش تسبق الانفراج.
والسعة ليست استقرارًا دائمًا، بل ربيعٌ يزهر ليُختبر فيه الإنسان بالشكر والوعي.
وهكذا يصبح العمر كله حركةً بين هذه الأحوال، لا حالةً واحدة تُقيم فيها النفس للأبد.
ومن هنا يتجلى معنى عظيم: أن الإنسان ليس خارج نظام الكون، بل هو جزء من إيقاعه، يتنفس معه ويعيش تحوّلاته.
فإذا ضاق صدره، تذكر أن الليل لا يُقيم، وإذا اشتد عليه الأمر، علم أن الشتاء لا يدوم، وإذا أقبل عليه الفرج، أدرك أنه ليس نهاية الامتحان بل بداية شكرٍ جديد.
إن هذه الدهشة الكونية ليست مجرد تأمل في الطبيعة، بل دعوة إيمانية عميقة لإعادة قراءة الحياة: أن كل انتقال من حالٍ إلى حال هو رسالة رحمانية تقول للإنسان إن يد التدبير لا تغيب، وإن الله الذي يدير تعاقب الليل والنهار، هو نفسه الذي يدير تعاقب القلوب بين الحزن والفرح، بين الضيق والسعة، بين الانكسار والجبر.
وهكذا يصبح الكون كله مدرسةً لليقين، يعلّم الإنسان أن لا ييأس في شدة، ولا يغتر في رخاء، بل يعيش بينهما بقلبٍ مطمئن، يرى في كل تغيرٍ حكمة، وفي كل دورةٍ وعدًا، وفي كل لحظةٍ أثرًا من رحمة الله التي لا تنقطع.
ومن خلال هذا التأمل الممتد بين نور الوحي واتساع الكون، وبين سيرة الإنسان ودورات الفصول، يقف القلب أمام حقيقةٍ جامعة تُعيد كل المعاني إلى أصلها الأول: أن هذا التوازن العظيم ليس في السماء وحدها، ولا في تعاقب الليل والنهار فحسب، بل ممتدٌّ في داخل الإنسان نفسه، في أعماق ضميره، وفي حركة روحه بين الخير والشر، بين اليقظة والغفلة، بين العدل والهوى.
“وفي أنفسكم أفلا تبصرون”
ليست مجرد دعوة للتأمل، بل كشفٌ لحقيقة كونية تُسكن الإنسان داخل هذا النظام الدقيق ذاته الذي يحكم الكون.
فكما أن الفلك لا يختل، وكما أن الفصول لا تتجاوز أوقاتها، وكما أن الليل لا يسبق النهار ولا النهار يُبطل الليل، كذلك في داخل الإنسان ميزانٌ دقيق، إن استقام استقامت حياته، وإن اضطرب انعكست الفوضى على قلبه وسلوكه ومساره.
إنه ميزان الضمير، تلك البصيرة التي يضعها الله في الإنسان لتكون شاهدًا عليه لا منفصلة عن الكون بل امتدادًا له.
فهي التي تكتب لكل ولادة شمسٍ معنى جديدًا للحياة: معنى الشكر حين يُعطى، والصبر حين يُبتلى، والرجاء حين يضيق الأفق، واليقين حين تشتد العتمة.
وهكذا يعود الإنسان إلى مركز الحقيقة: أن العدالة الإلهية لا تُقرأ فقط في حركة الأفلاك، بل تُقرأ أيضًا في قلبه، في اختياراته، في نواياه، وفي أثره على من حوله.
وأن كل لحظة يعيشها ليست عابرة، بل هي جزء من ميزان أكبر، تُوزن فيه الأعمال كما تُوزن فيه المواقف، ويُسجَّل فيه النور كما يُسجَّل فيه الأثر.
فسبحان من جعل الكون كتابًا مفتوحًا، والإنسان صفحةً شاهدة، والضمير ميزانًا لا ينام، يذكّر الإنسان في كل شروقٍ أن الحياة ليست تكرارًا للأيام، بل تجددٌ للمعنى، وأن كل شمسٍ تولد هي فرصة جديدة ليكون الإنسان أقرب إلى فطرته، وأصدق مع نفسه، وأعدل مع غيره، وأوفى لعهدٍ بينه وبين خالقه.
وفي ذلك تتجلى الحكمة كلها، ويكتمل النور في الداخل كما اكتمل في الخارج، ليبقى الإنسان بين السماء ونفسه، شاهدًا على عدل الله ورحمته، ما دام القلب حيًّا، والبصيرة مفتوحة، والضمير حاضرًا.
أختكم وابنتكم هيفاء البريجاوي