قصيدة /// لم يوجعني رحيلك وحده /// للشاعر صفوح صادق

"لم يوجعني رحيلك وحده"

لم يوجعني رحيلك وحده
أوجعني أن الصباح
أطلّ من النافذة كعادته،

وأن العصافير

لم تنسَ أغانيها،

وأن الشوارع

لم ترتدِ السواد من أجلك.

أوجعني أن العالم

لم ينتبه إلى الغياب،

أن المقاهي امتلأت بالضحكات،

وأن الأطفال ركضوا خلف كراتهم،

بينما كنتُ أبحث عنك

في كل وجهٍ عابر.

كأنك لم تكن

اليد التي أمسكت بقلبي

كلما أوشك على السقوط،

وكأن صوتك

لم يكن الميناء الوحيد

لسفينةٍ أرهقها التيه.

لم يوجعني أنك ذهبت،

بل أن الأشياء

تعلمت العيش من دونك بسرعةٍ مخيفة؛

الساعة تدور،

والليل يعبر،

والقمر يزور شرفتي،

ولا أحد يسأل

عن ذلك الفراغ الذي تركته في صدري.

ناديتك مرةً،

لا لأعيدك،

بل لأتأكد أن المسافة بيننا

ليست أكبر من صوتي.

لكن الصمت

كان أكثر إخلاصًا من كل الإجابات،

وظل اسمي

يرتدّ إليّ وحيدًا،

كطائرٍ أضاع سماءه.

ومنذ ذلك اليوم،

لم أعد أخاف الفقد،

بل أخاف هذه القدرة العجيبة للحياة

على أن تُكمل طريقها،

وكأن القلوب التي تنكسر

لا تُحدث في الكون

أيَّ صوت

وأمشي،

لا لأنني وصلتُ إلى السلام،

بل لأن الطرق

لا تعرف كيف تنتظر أحدًا.

أمرُّ بالأماكن التي جمعتنا،

فأجد المقاعد في أماكنها،

والأشجار أكبر قليلًا،

والباعة ينادون على بضائعهم،

حتى الهواء

لم يحتفظ بشيءٍ من رائحتك.

وحدي كنتُ أحمل الكارثة،

وحدي كنتُ أرى الخراب

في مدينةٍ تبدو للناس

مكتملةً كما كانت.

ما أغرب القلب،

يبني وطنًا كاملًا

في ابتسامةٍ واحدة،

ثم يقضي عمره

يبحث بين الأنقاض

عن نافذةٍ لم تهدمها الذكرى.

حاولتُ أن أنساك،

لا لأنني شفيت،

بل لأن التعب

صار أثقل من الحنين،

ولأن الروح

لا تستطيع أن تبقى واقفةً

على بابٍ لن يُفتح.

ومع ذلك،

كلما مرَّ اسمك عابرًا،

ارتبكت أيامي،

كأن السنوات التي عبرت

لم تكن سوى دقائق

أخطأتْ حساب الوقت.

وأدركتُ أخيرًا

أن بعض الغياب

لا يُشفى منه الإنسان،

بل يتعلّم أن يرتبه

في زاويةٍ هادئة من قلبه،

ثم يعيش،

وفي داخله غرفةٌ مغلقة،

لا يدخلها أحد،

لأنك ما زلت هناك،

كما كنت في أول الحكاية،

وكما لن تكون أبدًا في آخرها.

صفوح صادق-فلسطين

Posts les plus consultés de ce blog

قصيدة /// ذات الرداء الأبيض /// للشاعر رمضان عبد الباري عبد الكريم

قصيدة /// أَهُيَّمُ وما بلوى الهوى من فؤادي /// للشاعرة سهير خليل

قصيدة /// فلسطين لن تموت /// للأديبة عقيلة بلقاسم بعبوش